ابن الجوزي
79
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده سعة ، فقال الأنصار : إن هذا الرجل قد هداكم الله به ، وليس في يده سعة ، فاجمعوا له من أموالكم مالا يضركم ، ففعلوا ثم أتوه به ، فنزلت هذه الآية ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا . والثالث : أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم ، فقال بعضهم لبعض : أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا ، فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة . والهاء في " عليه " كناية عما جاء به من الهدى . وفي الاستثناء هاهنا قولان : أحدهما : أنه من الجنس ، فعلى هذا يكون سائلا أجرا . وقد أشار ابن عباس في رواية الضحاك إلى هذا المعنى ، ثم قال : نسخت هذه بقوله : ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم . . . ) الآية ، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل . والثاني : أنه استثناء من غير الأول ، لأن الأنبياء لا يسألون على تبليغهم أجرا وإنما المعنى : لكني أذكركم المودة في القربى ، وقد روى هذا المعنى جماعة عن ابن عباس ، منهم العوفي ، وهذا اختيار المحققين ، وهو الصحيح ، فلا يتوجه النسخ أصلا . وفي المراد بالقربى خمسة أقوال : أحدها : أن معنى الكلام : إلا أن تودوني لقرابتي منكم ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد في الأكثرين . قال ابن عباس : ولم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة . والثاني : إلا أن تودوا قرابتي ، قاله علي بن الحسين ، وسعيد بن جبير ، والسدي . ثم في المراد بقرابته قولان : أحدهما : علي وفاطمة وولدها ، وقد رووه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني : أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب . والثالث : أن المعنى : إلا أن توددوا إلى الله تعالى فيما يقربكم إليه من العمل الصالح ، قاله الحسن ، وقتادة . والرابع : إلا أن تودوني ، كما تودون قرابتكم ، قاله ابن زيد . والخامس : إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم ، حكاه الماوردي . والأول : أصح . قوله تعالى : ( ومن يقترف ) أي : من يكتسب ( حسنة نزد له فيها حسنا ) أي : نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا . وقرأ ابن السميفع ، وابن يعمر ، والجحدري : " يزد له " بالياء ( إن الله غفور ) للذنوب ( شكور ) للقليل حتى يضاعفه .